القرطبي

188

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقوله ( عليكم فيما عرضتم ) المخاطبة لجميع الناس ، والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة . والتعريض : ضد التصريح ، وهو إفهام المعنى بالشئ المحتمل له ولغيره وهو من عرض الشئ وهو جانبه ، كأنه يحوم به على الشئ ولا يظهره . وقيل ، هو من قولك عرضت الرجل ، أي أهديت إليه تحفة ، وفى الحديث : أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا ، أي أهدوا لهما . فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه . الثانية - قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز ، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز ، وكذلك ما أشبهه ، وجوز ما عدا ذلك . ومى أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : " كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك " . ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة . وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم . وروى في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين : الأول - أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها . والثاني - أن يشير بذلك إليها دون واسطة ، فيقول لها : إني أريد التزويج ، أو إنك لجميلة ، إنك لصالحة ، إن الله لسائق إليك خيرا ، إني فيك لراغب ، ومن يرغب عنك ! إنك لنافقة ( 1 ) ، وإن حاجتي في النساء ، وإن يقدر الله أمرا يكن . هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب . وقال ابن عباس : لا بأس أن يقول : لا تسبقيني بنفسك ، ولا بأس أن يهدى إليها ، وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه ، قاله إبراهيم . وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج ، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين ، قالت سكينة بنت حنظلة استأذن على محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال : قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من على وموضعي في العرب . قلت

--> ( 1 ) نفقت الأيم : إذا كثر خطابها ورغب فيها .